خبان برس| مقالات – لطفي نعمان

البحث عن رئيس مجلس قيادة الثورة:


وسط هذا الجو المشحون بالقلق والتربص كان الضباط الأحرار يحاولون استمالة الضباط الكبار، وكان الزعيم حمود الجائفي مرشحهم الأول لرئاسة مجلس قيادة الثورة وفقاً لمخططاتهم الأولى، غير أن المحاذير التي طرحها الجائفي وفهم منها عدم رغبته في تولي هذه المسئولية الجسيمة، وإن رحب بالحركة وأبدى استعداداً للتعاون بما يستطيع، فصرف التنظيم النظر عن استمرار ترشيحه، وتقرر أن يكون الزعيم عبدالله السلال هو رئيس مجلس القيادة، إذ أبلغه بذلك القاضي عبدالسلام صبرة، حسب كتاب الضباط الأحرار ووفقاً لشهادة السلال في كتاب “وثائق أولى عن الثورة اليمنية” وزاد في شهادته يقول أن الشهيد علي عبدالمغني أكد له موقف التنظيم من ترشيحه. كما تحدث المشير السلال أيضاً عن مراسلاته هو الآخر مع الرئيس جمال عبدالناصر للتأكد من موقف الجمهورية العربية المتحدة بالنسبة للثورة وأرسلها مع الشيخ عبدالغني مطهر -وأكدها مطهر في مذكراته- وتلقى منه جواباً عليها [وثائق أولى].


واتت الظروف حركة الضباط الأحرار، صغارهم وكبارهم، فرصة الاتصال مع مصر وبحث ضمان دعم الثورة وإعلان قيام الجمهورية العربية اليمنية، على العكس من محاولات ثورة 17 فبراير 1948م، وانقلاب آخر مارس 1955م، وانتفاضة القبائل لقيام الجمهورية سنة 1959م، يوم كان الظرف العربي -لا سيما مصر- غير مهيأ لمساندة الحركة الوطنية اليمنية، بحكم طبيعة العلاقات مع المملكة المتوكلية اليمنية والارتباط بأحلاف ومعاهدات خاصة.

السلال يحمي عبدالمغني:


كون السلال من الضباط الكبار وبموقع ثقة ولي العهد ثم الإمام محمد البدر، أعانه مركزه الموثوق على صد كل الوشايات بالضباط الأحرار الشباب، فأحبط هو واللواء عبدالله الضبي أو “منعوا تنفيذ اقتراح الوشاة بأن ينفى الشهيد علي عبدالمغني وعبداللطيف ضيف الله وأحمد الرحومي وأمثالهم من المتحمسين إلى القاهرة بعذر أخذ دورة تدريبية عسكرية هناك ثم يجري توزيع الباقين على العمل في الجيش بصنعاء وتعز والحديدة وحجة ومأرب والحزم وغيرها من القضوات والمدن حتى يتفرق شمل الضباط ويذوبون في هذا المحيط الواسع فتضعف قوتهم وينتهي الأمر” [وثائق أولى].

عبدالمغني قائداً للثورة:
استعراض مسار الأحداث يبين أن حركة الضباط الأحرار لم تنجح إلا بعدما فارق الإمام أحمد الحياة، إذ كانت حياته سبباً رئيسياً لفشل المحاولات السابقة من 1948م حتى محاولة اغتياله سنة 1961م.. وإن عاش متاثراً بجراح محاولة اغتياله، إلا أنه كان يسترد عافيته حال الانقلاب عليه، ونقل عنه “إن الانقلابات دواء للروماتيزم” (…). لكن موته المفاجئ أثر في المشهد من عدة نواحٍ حيث:

  • عجّل الانتقال من الملكية إلى الجمهورية والانقلاب على خليفته وابنه محمد البدر،
  • حالت الوفاة المفاجئة دون تمكن الضباط الشباب -حسب يحيى المتوكل- من إقناع زميلهم ورائدهم عبدالمغني من تحمل مسئولية قيادة الثورة والدولة.
    السؤال هنا: هل كان يرغب علي عبدالمغني في تولي القيادة أو يتطلع لدور القيادة بعد الثورة؟
    من الجلي أنه وهو يضع مع زملائه مخطط الثورة، لم تكن صدارة القيادة واردة بذهنه، مكتفياً بما يؤديه من دور محوري واتصالات مباشرة مع مختلف الخلايا الوطنية العسكرية والمدنية على امتداد خارطة توزيع التنظيم بالأراضي اليمنية، محدداً وضعه ووضع زملائه ضمن عضوية مجلس القيادة تاركين رئاسة المجلس للضباط الكبار، ولا أدل على هذا من ترشيحهم للزعيمين الجائفي أولاً -حسب تقرير عبدالواحد- ثم السلال -بعد اعتذار الجائفي-، مع استعداد الضباط لتقويم “انحراف” القيادات المرشحة.. مستلهمين تجربة مصر. ولعل “حالة عدم الطموح إلى القيادة مما أضعف دور التنظيم في صنع القرار السياسي والعسكري بعد الثورة” [المتوكل: حضور في قلب التاريخ].

عبدالمغني عضو مجلس القيادة:
تسارعت الأحداث حتى بدأ تنفيذ خطة الثورة ووجهت المدافع إلى قصر دار البشائر، وسقوط الحكم الملكي مساء الأربعاء 26 سبتمبر 1962م، في الوقت الذي ظل فيه علي عبدالمغني مع المقدم عبدالله جزيلان والنقيب عبداللطيف ضيف الله والملازم ناجي الأشول بمقر القيادة: الكلية الحربية.
مع الإعلان عن قيام الجمهورية صباح الخميس 27 سبتمبر، يعلن عن علي عبدالمغني عضواً بمجلس قيادة الثورة، ويتولى الشؤون العسكرية ويوجه الحملات ويزودها بلوازم التحرك.
أسفرت التطورات من أول أيام الثورة عن ملامح مواقف ورؤى جديدة لدى الشهيد عبدالمغني، أفصح عنها لجمع من زملائه الضباط أول الثورة:
“علينا الاعتراف بالأمر الواقع، أن الثورة لم نصنعها وحدنا وإذا كنا طلائعها فإن القوة الرئيسية قد تدفقت من كل اتجاه من إخواننا العسكريين والمدنيين، وهؤلاء أكبر منا رتبةً وأوسع شهرة وشعبية بحكم شغلهم لمناصب كبيرة وهامة في الجيش وغيرها وعلينا مسايرة الأوضاع الجديدة وألا نختلف في العمل على الدفاع عن الثورة والجمهورية التي يحتمل أن تتعرض لعدوان خارجي شامل ولكن علينا ألا نتفرق أو نتبعثر فمن الضروري أن نجتمع في كل فرصة ممكنة لتدارس ما استجد من أمور وما طرأ من أحداث فإن مثل هذه الاجتماعات هي الوسيلة الوحيدة لبقائنا مترابطين متحدين وقوة كبيرة يحسب حسابها في هذا البلد الأمين وفي هذه المنطقة الاستراتيجية المهمة في العالم”. [أحمد الناصر، حياتي في سطور].

فدائية عبدالمغني:
يجمع رفاق الملازم علي عبدالمغني على مثاليته العالية وفدائيته الفريدة، فلم يكتف بموقع مسئوليته عن الشؤون العسكرية بمجلس القيادة والتوجيهات التي يصدرها لزملائه الضباط بالتوجه لقيادة المناطق العسكرية التي ظهرت فيها نذر التمرد على الجمهورية الوليدة، وإن ألمح بعض المعاصرين -المختلفين مع بعضهم- إلى وجود مؤامرة الخلاص من وجوده بمجلس القيادة ودفعته للخروج إلى مناطق القتال العسكرية.
يستبعد اللواء حسين المسوري نظرية المؤامرة ويقول: تحرك علي عبدالمغني وهو من صناع هذه الحركة الوطنية، ومن كبار قادتها، كان بالإمكان أن يكلف أحداً غيره من الضباط الأقل أو حتى الأقدم رتبة منه لأنه كان عضواً قيادياً، وبرغم هذا تحرك ليدافع عن النظام الجمهوري.
وزاد المسوري المسألة إيضاحاً بأن جميع الضباط تحركوا وهم يعرفون أنهم ذاهبون للقتال بكامل سلاحهم، وليسوا ذاهبين إلى حفلة عرس، لقد خرج علي عبدالمغني إلى ساحة الدفاع عن الثورة والجمهورية بدافع الإيمان بالقضية، وكل الضباط الذين تحركوا وخرجوا إلى مواقعهم بدافع الإيمان بالثورة والجمهورية، وإلا لاعتبر خروج الجميع مؤامرة.. [اللواء الركن حسين محمد المسوري: أحاديث صحافية عن أحداث تاريخية].
تقدير المسوري واستبعاده لفكرة المؤامرة التي تلقى رواجاً عادةً، مع ضعف ترجيحها، تتسق مع ما جاء في التقرير السري للسفارة العربية بصنعاء بعد أسابيع من قيام الثورة، إذ جاء في ص 32 الفقرة 26: “لا ينبغي أن يفوتنا التنويه عن أن الصانع الحقيقي لثورة اليمن هم هؤلاء الطليعة الشابة من ضباط الجيش الأحرار الذين كانوا ركيزتها الأساسية أولاً وآخراً، وهم وإن كانوا يعملون الآن في صمت كجنود مجهولين قاموا وما زالوا يقومون بدورهم في سبيل المثل العليا التي ثاروا من أجل تحقيقها” [أحاديث صحافية].
اعتقد زملاء آخرون كاللواء يحيى المتوكل، أن خروج عبدالمغني عائد إلى عبدالمغني نفسه، فهو “يتمتع بتجرد ومثالية غير معقولين، فعندما رأى أنه يرسل زملاءه إلى جبهات القتال، قال لماذا لا يشارك هو أيضاً”. فقام “بمغامرة غير مدروسة أودت بحياته”، إذ “خرج بهدف ضرب التمرد في منطقة مأرب والسيطرة على لمنطقة بقوات معظم أفرادها غير مدربين على القتال وضربت الحملة في كمين نصب لها بصرواح، فكانت معركة خاسرة من بدايتها، فقتل وهو داخل المدرعة واستشهد، بينما أسر الذين نجوا من الموت” [حضور في قلب التاريخ].
يعزز الرأي حول مثالية وفدائية الشهيد عبدالمغني شهادة اللواء أحمد الناصر، بأن عبدالمغني أصر على التقدم إلى مأرب مفضلاً المحافظة على حماس الثوار من الضباط والجنود الذين يشتاقون للمعركة، وكي لا يرمى ضباط الثورة بالجلن وخشية الهلاك، والفرار بأنفسهم، ورجح الناصر أن هذه مسببات خروج عبدالمغني علاوة على همة عالية ووطنية مفرطة. وبرر الوقوع في هذا الكمين الذي أدى لاستشهاده “عدم وجود عيون في المنطقة الشرقية وجهل القوات بقوات العدو الحقيقية وقوات القبائل المضللة”. [حياتي في سطور].

ماذا كتبت التقارير المصرية عن عبدالمغني بعد استشهاده:
شكل مصرع علي عبدالمغني خسارة فادحة للثورة والجمهورية والوطن اليمني، باعتباره شابا ًواعداً وزعيماً مثالياً نال إعجاب رفاقه وعارفيه، ممن سجلوا إقراراً بتميزه وفرادة شخصيته ورؤيوية نضاله حتى جسد بفدائيته القربان الأنبل للثورة والجمهورية.
حتماً ما كان استشهاده ليمر مرور الكرام حال مواكبة السفارة العربية تطورات المشهد اليمني بعد الثورة. فقد خصصت فقرة خاصة عن الشهيد عبدالمغني ضمن “تقرير رقم 1” تحت عنوان “تطورات الموقف في اليمن.. الفترة ما قبل الثورة وبعدها” تصنيفها “سري للغاية”. مؤرخة في 17 أكتوبر 1962م، المكون من 43 صفحة يتضمن ثلاث ملاحق، لم يحمل توقيع القائم بالأعمال محمد عبدالواحد.

(لم يخفِ هذا التقرير “ملامح الخلافات الجذرية بين عناصر قيادية في الثورة”، وقال عنها “إنها ستشكل حلقة صراع داخلي على النفوذ والسلطان”، ونبه إلى احتمال تطورها بمرور الوقت، وسمى “كتل” الصراع المحتمل).

خصص الفقرة “ل” كاملة في ص 12 للشهيد عبدالمغني:
“ل – استشهد بعض الضباط اليمنيين من الذين أعدوا للعمل الثوري، وشاركوا فيه وذلك أثناء قيامهم بواجبهم في مطاردة المتمردين، وشاركوا فيه وذلك أثناء قيامهم بواجبهم في مطاردة المتمردين، وتجدر الإشادة هنا بالملازم علي عبدالمغني الذي استشهد في إحدى هذه العمليات في “مأرب”.
وكان هذا الضابط الثائر الجندي المجهول الذي كان وراء تشكيل الضباط الأحرار في الجيش اليمني، ولم يبخل بجهد أو عرق أو مال في سبيل الإعداد للعمل الثوري، وبعد أن أتم رسالته وقامت الثورة استمر في نكران ذاته حتى استشهد في سبيل الرسالة التي رواها أخيراً بدمه.
لقد كان القدر قاسياً في اختيار الشهيد علي عبدالمغني إلى جواره قبل أن ينعم برؤية ثمرة جهوده وآماله والتي شارك فيها مع بعض زملائه عملاً جليلاً في سبيل وطنه وقوميته، لقد عاش بطلاً ومات بطلاً فليرحمه الله رحمة واسعة”.


0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *