خبان برس| تقارير – عبدالصمد القاضي

تحتل محافظة تعز، حسب تقارير حقوقية، المرتبة الأولى في قائمة قتلى وجرحى الألغام والعبوات الناسفة التي زرعتها ميليشيات الحوثي في ضواحي المدينة ومديرتها المختلفة وتعد المناطق الريفية من وديان وسهول بيئة خصبة حولتها مليشيات الحوثي الى حقول ألغام بشبكات متعددة ذات تحكم ديناميكي، يقول خبراء أن زراعة المليشيات للألغام والعبوات الناسفة تجرى بشكل عشوائي وهذ يشكل خطرا كبيرا وعائقا حقيقيا أمام عودة الحياة إلى تلك المناطق ولو بعد حين، وتسعى المليشيات، بنواياها الدموية، لنشر القتل تعطشاً للدماء وغاية بتضييق الخناق أمام المواطنين لتحول بينهم وبين أرضهم ومساكنهم.

وقد دفع الكثير من الأطفال والنساء أرواحهم وأجسادهم ثمناً لجرائم حرب المليشيات الدموية، أرقام مرعبة رصدتها منظمات حقوقية لتبلغ عدد الألغام التي نزعت خلال الفترة الممتدة من يناير 2016 وحتى نهاية أبريل الماضي (226209) تنوعت بين ألغام وعبوات ناسفة وأجسام غريبة وقذائف في عدد من المديريات المحررة ومدينة تعز.

الطفلة خولة هزاع ابنة أربعة عشر ربيعاً، ومع إشراقة عمرها وزهور طفولتها داهمت المليشيات الحوثية عزلتها في الأشروح مديرية جبل حبشي ليلاً وقرى مجاورة لها وأجبرت سكان القرية على النزوح قبل بزوغ الفجر وبدون سابق انذار ,عصفت رياح اليأس بسكان القرية ليسكن الرعب مساكنهم والموت المحاصر للمنازل، هجرتهم المليشيات قسراً من منازلهم بالمديرية.

أكثر من (290) أسرة فارقت ديارها والحزن يملأ قلوبهم بدون فرش أو أغراض منزلية سوى ملابسهم التي على أجسادهم، خرجت خولة مع أسرتها إلى قرية الجبل التي تبعد قليلاً عن قريتها بلا مأوى، لتشرق الشمس وقد اضحت القرية حديقة موت تحاصرها الألغام من كل جانب والموت على مشارفها حتى أبواب المنازل وأزقة القرية لم تخلوا من الألغام، عادت خولة إلى منزلها لأخذ ملابس لها ولإخوتها، وهي لا تعلم ما الذي ينتظرها على يد مليشيات الموت والخراب، وقبل أن تفكر بما سيحدث انفجر بها لغماً حوثياً كان ببوابة المنزل.

تقول خولة والحزن يحملها الى الماضي: “جاءوا الحوثيين بالليل يقولون لنا اخرجوا من البيوت ويطلقون الرصاص علينا بشكل هستيريا”.

خرجنا للقرية الثانية ولم نأخذ شيء من بيوتنا، وباليوم الثاني رجعن النساء ليأخذن أواني من البيوت وبعد رجوعهن سالمات قررت أن أذهب أنا أيضاً لأخذ ملابسي وأدوات البيت وعندما وصلت داست قدمي على لغم حوثي، قذفني الانفجار ولم أفكر حينها بما قد يتسبب لي أو يؤذيني بقدر قلقي على حزن أمي عليّ وكيف لها أن تتحمل ألمي؟ كيف ستقاوم كسر قلبها؟

لم أكن أفكر بشيء سوى كيف ستتلقى أمي خبر الفاجعة؟

سحبت نفسي على الأرض لطرف البيت لأجل اطلب النجدة لإنقاذي وأصيح ولا أحد استطاع اسعافي كانوا خائفين من الألغام ثم جاءتا جارتي واختي وحملوني ببطانية الى خارج القرية والحوثيين من الجبل يصيحون بكل سخرية ويقولون: حلاوة حلاوة.

اسعفوني الى مستشفى البريهي في عدن وكانت يدي ورجلي اليمنى مبتورتان ورجلي اليسرى فيها كسور وشظايا.

توضح صورة الانتهاكات وضحايا الألغام، فمليشيات الحوثي تسعى لتحقيق إبادة جماعية لبعض المناطق مستخدمين كل أدوات الجريمة وأبشع صورها، ففي عزلة الاشروح اضحت الحياة جحيم فوق الألغام فكل مكان مرت به المليشيات خلفت به حقولا من الموت.

لم يمر اسبوع واحد على حادثة خولة حتى وقع حادث آخر، انفجار لغم حوثي بقرية الفوز بامرأة تدعى رندا حسن وطفليها رفيق وسميرة الذين أصيبا بشظايا في الوجه واجزاء متفرقة من أجسادهم.

رندا حسن لم يمكنها الوضع المادي الصعب وفقر أسرتها بعد التهجير من الحصول على بيت للإيجار جراء اجتياح الحوثيين للقرية لتستقبلها أحد الأسر المعزولة جوار منطقتهم، وبعد خروج وهزيمة الحوثيين بالقرية سرعان ما عادت الى منزلها ولم يكن بحسبانها أن عودتها ستسوقها الى نهاية مأساوية.

وصلت منزلها وأخذت دبة ماء وذهبت برفقة طفليها لتملأها من بئر جوار المنزل وفي الطريق انفجر بها لغم أرضي زرعته مليشيات الحوثي سابقاً وأصيب طفليها بشظايا.

اسعفت الى المستشفى ليقرروا هناك بتر قدمها الأيمن وبعد اسبوع واحد بتر قدمها الآخر نتيجة عجز الأطباء عن لملمة الجروح.

لم تمكث كثيرًا بالمستشفى حتى غادرت الحياة للأبد، يقول مرافقها بالمستشفى أن وفاتها كانت بسبب بكتريا اصابتها في غرفة الرقود، ودعت رندا الحياة ومرها وقبح المليشيات وخلفها وجع طفلين فقدوا شمس عمرهم وضياء دربهم وبهجة وقتهم.

يقول زوجها مقبل: كنا نحتاج قطرة ماء لكننا أصبنا بالعطش ما بقينا على قيد الحياة لا ندري ما تخبئ لنا الايام في جوفها أمام وحشية المليشيات وجرائمها، فقدت ركن بيتي، كسروا جناحي وقطعوا اذرعي.

يواصل الحديث والدموع تنهمر على خده: كيف تتخيل منزل بدون ربة بيت؟ وأطفال فقدوا حضن أمهم؟؟ المليشيات زرعت قريتنا بالألغام والعبوات الناسفة بشكل شبه كامل والأهالي بعد عودتهم نزعوا بعضها والسيول جرفت الاكثر، لكن ما زالت الألغام الى اليوم تهدد حياتنا، الحوثيين وزعوا الموت في كل القرية آلاف الألغام هنا وبعض المنازل ما زالت ملغومة ومحشية بالعبوات لم يستطع أحد الاقتراب منها وفي بعض الأحيان نسمع صوت انفجارات ذاتية دون ضحايا تنفجر الألغام تلقائيا نتيجة للسيول، او تعرضها لدهس حيوانات، اصبحت حياتنا هنا مواجهة مريرة مع موت بلا عنوان.

استطاعت مليشيات الحوثي خلال حربها الإجرامية ضد أبناء اليمن أن تدخل الحزن الى كل بيت وتحول الفرح الى ألم وهي تحاول أن تعيد الزمن الى كهوف التاريخ أمام رفض شعبي مقاوم كسر حاجز الخوف وأقسم أن لا يعود للماضي.

دليلة احمد الصبري (28عاماً) تركت قريتها بمنطقة الشقب إثر المواجهات العسكرية بين الجيش ومليشيات الحوثي لتنزح إلى مدينة تعز بعيداً عن ضجيج الحرب، كانت تخشى ان تفقدها الحرب حياتها أو أحد أقاربها، عادت الى قريتها بعد هدوء نسبي بغرض زيارة والدتها وقضاء أواخر شهر رمضان بجوارها ولتستعد لحفلة زفافها منتصف شوال الموافق 20 يوليو 2017.

وفي السابع والعشرين من شهر يونيو كانت دليلة على موعد مشؤم مع القدر ليحول بينها وبين فرحتها ويحيل حياتها الى جحيم ، إذ انفجر بها لغم أرضي زرعته المليشيات أمام بئر الماء بالمنطقة ، وبصوت متقطع تخنقه غصة وجع عميق، ترافقه عبرات خطت على وجنتيها مشروع حزن مؤرق تروي ل منبر المقاومة التفاصيل المؤلمة: غبش (بداية الصباح) ذلك اليوم خرجت لأجلب ماء من البئر لأساعد أمي لم أكن أدري أن القرية تحولت لمستوطنة للألغام، وقبل أن اصل للبئر دهست لغما حوثيا، كانت بنت عمي على بعد أمتار مني أسرعت لتنقذني لكن لغم اخر انفجر بها لتسقط امامي ضحية تبعثرت اشلاءنا وملابسنا في كل مكان وخاف الناس من القدوم الينا، جاء عمي وغطينا بملابسه ووضعنا في بطانيات، حملونا تهريب بين الوديان فالطريق مقطوع والقناصة يحاصرون المكان ويرصدون أي تحرك، وبعد ذلك لم ادر بشيء فقد فقدت وعيي وفقت بالمستشفى وساقاي مبتوران وجسمي مشوه، تغير مجرى حياتي تماما.

وبتأثر كبير ونبرة حزن وحسرة واصلت “تبخرت أحلامي ودخلت في حالة نفسية حرجة وفقدت السيطرة على أعصابي.

فقد اصبحت حياتي مزيجا من الحزن والأسى والحسرة بعد تعرضي لهذا الحادث المشؤوم.

أصبح السادس والعشرين من يونيو بالنسبة لدليلية هو يوم القدر المعتق بالمآسي الباساقات بطعم القهر، الذي اهدته مليشيا الخراب والدمار، التي قدمت من كهوف التاريخ توزع الموت المغلف في الغام الحقد لدليلة وغيرها من ابناء تعز واليمن.

تجاوزت مليشيات الحوثي الحد الأعلى من الجرائم لتخترع طرقا متشعبة لزراعة الألغام والعبوات الناسفة.

أواب الزبير ضحية شبكة ألغام في أحد منازل حي العسكري حيث تهدم المنزل بكامله أثناء توثيق أواب لانتهاكات المليشيات بالمنطقة ليصبح قتيلاً تحت ركام منزل تفجر بالكامل.

يقول زميله المصور محمد التويجي وخيوط الماضي تجلبه الى الواقعة: كان المصور أواب الزبير أبرز الموثقين للانتهاكات والجرائم التي تمارسها مليشيات الحوثي بعد هزيمتها بحي العسكري.

انتقلنا جميعنا لنوثق الدمار الذي خلفته المليشيات الحوثية، دخل أواب عمارة اكلتها الحرب كنت على بعد أمتار قليلة منه لنرى هول ذلك الحطام وبانفجار لا يتصور، انفجار شبكة ألغام هز المنطقة بالكامل وسقط ما تبقى من العمارة على جسد أواب، كانت المنازل هناك ملغومه بشكل غريب ألغام أرضية والغام جانبية وفي الحيطان، وما زالت فاجعتي بأواب تتكرر مع كل جريمة لمليشيات الحوثي.

وتعد الألغام وسيلة قتل اتخذتها مليشيات الحوثي لتحصد بها أرواح المدنيين وأجسادهم وبحسب تصريحات محمد عبدالعليم أحد العاملين بفريق نزع الألغام والتوعية بمخاطرها أن مليشيات الحوثي تزرع الألغام بشكل عشوائي وبطرق مماثلة للقذائف التي تطلقها، حيث طلبت منظمات دولية من الحوثيين خارطة زراعة الألغام لتتخذ المليشيات المبررات الواهية تهرباً من الحقيقية.

يضيف: لذلك خطر الألغام سيستمر لفترات بعيدة المدى لعدم وجود خارطة لزراعتها، ونقوم بنزع الألغام بطرق بدائية، حيث تم تفكيك خلال يناير 2019 حتى نهاية أبريل الماضي من ألغام مضادة للأفراد والآليات وعبوات ناسفة وعبوات ذات تحكم عن بعد وغيرها والتي لم تنفجر نحو (10,000) عبوة في مختلف المناطق المحررة من المليشيات معظمها في محافظة تعز على امتداد الساحل الغربي وموزع والوازعية وجبل حبشي ومديرية جبل صبر، حيث بلغ عدد ضحايا الألغام بتعز حتى نهاية أبريل الماضي (1742) ضحية من بين الضحايا (492) قتيل وأكثر من (1,252) معاق شمل (230) من العسكرين و واكثر من (513) طفلاً و(490) امرأة بترت اقدامهم السفلية أو العلوية أو تشوهات جسدية.

اعترفت مليشيات الحوثي بجرائمها بطريقة غير مباشره بعد ضغوطات دولية عليها لتوقف عن زراعة الألغام حيث صرحت بوسائل إعلامية تابعه لها، أن خبراء زراعة الألغام بالساحل الغربي ثلاثة من بلدان مختلفة كالعراق وإيران لقواء مصرعهم بغارة جوية للتحالف.

وأشار المرصد الحقوقي أن محافظة تعز أكثر منطقة يمنية ملوثة بالألغام، مما يتسبب في إعاقة المشاريع الاقتصادية والزراعية، بالإضافة إلى موجة النزوح الكبيرة للسكان” حيث استخدم الحوثيين في تعز تقنيات حديثة من الألغام ذات شظايا تعمل بالمتحسسات الضوئية والكهربائية الحرارية، مضيفا أن (18) مديرية من أصل (23) مديرية في محافظة تعز ملوثة بالألغام.

وتحتل محافظة تعز، حسب تقارير حقوقية، المرتبة الأولى في قائمة قتلى وجرحى الألغام والعبوات الناسفة التي زرعتها ميليشيات الحوثي في أوقات سابقة في ضواحي المدينة ومديريات المحافظة المحررة.

وتشير التقارير إلى أن هناك أكثر من مليوني لغم أرضي زرعه الحوثيون في أكثر من (15) محافظة يمنية، تشمل كافة الأنواع المضادة للمركبات والأفراد والألغام البحرية، ومعظمها ألغام محلية الصنع أو مستوردة وتم تطويرها محليا لتنفجر مع أقل وزن.

وأصبحت الألغام الأرضية أحد أبرز أسلحة الحوثيين التي تستهدف الأبرياء في الجبال والوديان والسهول وفي الأحياء السكنية، ولا ينسحب الحوثيون من منطقة إلا بعد أن تكون منكوبة بمئات الألغام المزروعة، وهو ما يتسبب في وقوع الآلاف من الضحايا لها الآن ومستقبلا بين قتلى ومعاقين، خاصة أنه يتم زرع هذه الألغام بدون خرائط، الأمر الذي يجعل عملية نزعها أو الوصول إليها صعبة للغاية.

المصدر: منبر المقاومة


0 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *